فؤاد ابراهيم

26

الشيعة في السعودية

يستدلّ من ذلك كله ، أن أسس الدولة ومن ثم مكونات مشروعيتها الدينية والسياسية ، مستخرجة من التحالف السياسي الديني القائم في الأساس على مصالح أقلية . وفي سبيل تحقيق ذلك الغرض ، لجأت الدولة إلى أساليب متنوعة في التعامل مع الجماعات الأخرى ، راوحت بين العنف والعزل السياسي والتهميش الاقتصادي والاحتواء الجزئي ، مقابل احتكار مصادر القدرة والسلطة بيد جماعة معينة مؤلفة من العائلة المالكة والمتحالفين معها قبليا ودينيا . وهكذا ، ففي حين نجحت الدولة نجاحا ملحوظا في قهر من تصنّفهم عمليا في خانة الخصوم ، مناطق وقبائل ومذاهب وتبديد شمل بعضها وإخماد نشاطية هوية جماعات أخرى ، أخفقت في المقابل في تنمية مشاعر عليا وهويّة وطنية جامعة . إن عمق أزمة الدولة تترجمه ضحاياها في هيئة مواقف نافرة وحركات احتجاجية مستترة وسافرة ضد السلطة . ولو قدّر للمراقب أن يصوغ تلك المواقف في كلمات لجاءت في هيئة نظرات مفزعة ، إذ الشيعي في المنطقة الشرقية ينظر إلى الدولة باعتبارها دولة وهابية متشددة ، وينظر إليها الحجازي باعتبارها دولة نجدية انفصالية ، وينظر إليها العتيبي والقحطاني والخالدي وغيرهم باعتبارها دولة عائلية شوفينية . فهذه النظرات يمكن اختصارها في كلمات قليلة : إن الدولة ليست منهم وإليهم . فكل واحد منهم يعبّر عن موقفه إزاء الدولة من الموضع الذي يؤلمه ويتهدده ، فما هو المغزى من نشأة الدولة إذن إن كانت غير قادرة على تمثيل مصالح العموم ، ودرء الأخطار عن الجميع وإنقاذ مشاعر مشتركة تسري في أرجاء البلاد . إن ما سبق الإلماح إليه ينذر باتساع الشرخ العميق بين الدولة والسكان بدرجات مخيفة ، إذ لا يمكن مبدئيا ، وفي ظل مركّب أيديولوجي وسياسي للدولة السعودية الراهنة استيلاد قواسم مشتركة بين المناطق ، وعلما أن الاستمرار وفق تلك التركيبة المختلّة لا يعني سوى أن الفاصل بين الدولة والمجتمع في حالة مستمرة . ثمة تداعيات سياسية وثقافية واجتماعية وترتيبات قانونية ناتجة من تلك المنهجية المعتلة التي تتبعها الدولة حيال المناطق والمذاهب الدينية والقبائل الأخرى غير الحليفة . تلتقي تلك التداعيات عند حد التمييز بأشكال وصيغ مختلفة . ولكن هناك اتجاهين رئيسين في